ابن أبي الحديد

390

شرح نهج البلاغة

وأصفيتم به : منحتموه ، من الصفي وهو ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة ، يقال : صفي وصفية . وخلاصة هذا الكلام أن جميع ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاله لأصحابه قد قلت مثله لكم ، فأطاع أولئك وعصيتم أنتم ، وحالكم مساوية لحالهم . قلت : لو أن مجيبا منهم يجيبه لأمكن أن يقول له المخاطبون : وإن كانوا نوعا واحدا متساويا ، إلا أن المخاطب مختلف الحال ، وذلك لأنك وإن كنت ابن عمه في النسب وأخاه ولحمه ودمه ، وفضائلك مشتقة من فضائله ، وأنت قبس من نوره وثانيه على الحقيقة ، ولا ثالث لكما ، إلا إنك لم ترزق القبول الذي رزقه ، ولا انفعلت نفوس الناس لك حسب انفعالها له : وتلك خاصية النبوة التي امتاز بها عنك ، فإنه كان لا يسمع أحد كلامه إلا أحبه ومال إليه ، ولذلك كانت قريش تسمى المسلمين قبل الهجرة الصباة ، ويقولون : نخاف أن يصبو الوليد بن المغيرة إلى دين محمد صلى الله عليه وآله ، ولئن صبا الوليد وهو ريحانة قريش لتصبون قريش بأجمعها . وقالوا فيه : ما كلامه إلا السحر ، وإنه ليفعل بالألباب فوق ما تفعل الخمر ، ونهوا صبيانهم عن الجلوس إليه لئلا يستميلهم بكلامه وشمائله ، وكان إذا صلى في الحجر وجهر يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفا أن يسحرهم ويستميلهم بقراءته وبوعظه وتذكيره ، هذا هو معنى قوله تعالى : ( جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ) . ومعنى قوله : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) ( 2 ) ، لأنهم كانوا يهربون إذا سمعوه يتلو القرآن ، خوفا أن يغير عقائدهم في أصنامهم ، ولهذا

--> ( 1 ) سورة نوح 7 . ( 2 ) سورة الإسراء 46